تقرير: باسل محمود
في تصريح مفاجئ يعكس نبرة انفتاح غير معتادة من طهران، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بَزشكيان، أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، لا يرى مانعًا من دخول المستثمرين الأمريكيين إلى إيران. وجاءت الرسالة في توقيت شديد الحساسية عقب أسابيع من التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، ما يمنحها أبعادًا أبعد من مجرد مجاملة دبلوماسية.
كتب بزشكيان على منصة X: \”في حوار جمعني مع سماحة المرشد، عبّر عن اعتقاده بأن المستثمرين الأمريكيين يستطيعون القدوم إلى إيران، ولا توجد عوائق أمام أنشطتهم\”، وأضاف: \”المؤسف هو أنَّ الكيان الصهيوني هو من يمنع إحلال السلام في المنطقة\”.
هذا التصريح يأتي وسط استمرار العقوبات الأميركية على طهران، وغياب أي علاقات تجارية أو دبلوماسية مباشرة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، لكنه مع ذلك يحمل رسالة ضمنية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، مفادها أنّ \”الباب لم يُغلق بعد\”.
واشنطن بين التصعيد والتلويح بتخفيف العقوبات
قبل تصريح الرئيس الإيراني بأسابيع قليلة، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة على قناة \”فوكس نيوز\”، إلى إمكانية تخفيف العقوبات الاقتصادية على طهران، شرط أن تُظهر التزامًا بعدم إثارة التوتر في المنطقة. قال ترامب: \”العقوبات لا تزال قائمة، لكن إذا التزمت إيران بالهدوء وأظهرت لنا أنها لن تُسبب المزيد من الأذى، فقد أرفع هذه العقوبات\”.
تصريح ترامب يأتي بعد أيام من ضربات جوية أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية تحت الأرض، وبعد وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل وإيران، وهو ما يضع كلام ترامب في خانة الرسائل السياسية أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا حاسمًا.
علمًا أنّها ليست المرة الأولى التي يُلوح فيها ترامب بإمكانية تخفيف الضغط على إيران، فقد سبق وأشار إلى أنه لا يمانع في مواصلة الصين شراء النفط الإيراني، قبل أن يتدخل البيت الأبيض لتوضيح أن ذلك لا يعني تخفيف العقوبات رسميًا، كما أنّ ترامب نفسه عاد لاحقًا ليؤكد بقاء العقوبات، مهاجمًا خامنئي بسبب \”ادعائه النصر\” في الصراع الأخير مع إسرائيل.
اقرأ المزيد: ما شروط ترامب لرفع العقوبات عن إيران؟
هل بدأت طهران وواشنطن مناورة سياسية جديدة؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على مفاوضات مرتقبة أو تغييرات في هيكل العقوبات، ومع ذلك، فإن تصريحات بزشكيان تمثل أول إشارة من القيادة الإيرانية منذ سنوات إلى أنَّ الاستثمارات الأمريكية قد تقبل سياسيًا داخل النظام الإيراني، وهذا وحده كافٍ لإثارة انتباه الأسواق، لا سيما في ظل التوترات الإقليمية القائمة.
ورغم أمّ التقلّب في مواقف واشنطن يجعل من الصعب الجزم بنوايا الإدارة الأمريكية، إلا أنّ يفتح نافذة ضيقة لاحتمال العودة إلى مسار دبلوماسي جديد بين البلدينالمي، ولو بشكل غير مباشر.
هل تُعيد الأسواق رسم خريطتها؟
أي تراجع في العقوبات الأمريكية قد يُعيد الصادرات النفطية الإيرانية إلى مستويات ما قبل عام 2018، وهو ما قد يغير بشكل كبير خريطة إمدادات النفط العالمية، علمًا أنّ الصين تعد من أبرز المشترين المحتملين، بينما تراقب أوروبا واليابان الموقف بحذر.
لكن في المقابل، فإن بقاء القيود سيُبقي إيران معتمدة على قنوات غير رسمية للتصدير، بما في ذلك التهريب عبر سفن التخفي، ما يضع الاقتصاد الإيراني في وضعية \”التحايل المستمر\” بدلا من التعافي الحقيقي.
اقرأ أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟
اقتصاد إيران بين الحصار والانفتاح المشروط
تعاني إيران من تضخم مزدوج الرقم، وانخفاض في احتياطي العملات الأجنبية، وتدهور حاد في القدرة الشرائية للسكان، وقد يكون الانفتاح المحدود على الاستثمار الأجنبي بمثابة طوق نجاة جزئي، خاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصناعات الثقيلة.
لكن هذا السيناريو يظل مرتبطا بشكل وثيق بتخفيف العقوبات الأمريكية، وهو ما لن يحدث ما لم تُقدم طهران إشارات ملموسة إلى الانفتاح الدبلوماسي.
وفي ظل هذه التصريحات المتبادلة، تظل العلاقة بين طهران وواشنطن محكومة بعوامل أكبر من مجرد الرغبة السياسية؛ فبين العقوبات والمصالح الاقتصادية تقف إيران على مفترق طرق حرج: إما التمسك بخطابها التقليدي ومزيد من العزلة، أو الاستفادة من الانفتاح المشروط لتعزيز اقتصادها المنهك.
قد يهمّك أيضًا: الأوضاع في إيران تتفاقم.. أزمة اقتصادية واستقالات تعصف بالحكومة








